عبد الملك الجويني
164
نهاية المطلب في دراية المذهب
وإذا كان التخويف بضربٍ لو فُرض وقوعُهُ ، لكان من موجبات القصاص إذا أفضى إلى التلف ، فهو بمثابة التخويف بقطع الطرف ، وهذا جارٍ في كل محل ، يخالف فيه من يخالف في التخويف بقطع الطرف إلا أن يكون التخويف بضرب لا يتصوّر البقاء معه ، فيكون بمثابة التخويف بالقتل . فأما إذا كان التخويف بتخليد الحبس ، أو إتلاف المال ، أو قتل الولد ، فهاهنا موقف يجب التنبه له : ذهب ذاهبون إلى أن المرعي في هذا المقام أن يكون المطلوب من المجبَر أقلَّ في نفسه ممَّا خُوّف به ، وبنَوْا عليه أنه إذا كان كذلك ، فإنه سيؤثر الطلاق في غالب الأمر ، فيكون محمولاً على اختيار الطلاق ، ومن كان محمولاً على اختياره ، سقط اختيارُه ؛ فإن الاختيار الحقيقي هو الذي لا يكون المرء محمولاً عليه . وإن كان المطلوب منه أكبرَ في النفوس مما يخوَّف به ، فلا يتحقق الإكراه حينئذٍ ، وهذا المسلك يوجب الفرق بين المطلوب والمطلوب ، فإن كان المطلوب قتلاً ؛ فإن احتمال الحبس على انتظار الفرج [ هو ] ( 1 ) أهون من الإقدام على قتل مسلم . وإن كان المطلوب الطلاق والعتاق ، لم يهن احتمال الحبس ، وهذا يرجع إلى الجبلّة ، وليس من أوزان الفقه وتصرفه في الفرق بين الخطير وما دونه ، بل لا تحتمل النفس الحبس والمطلوبُ الطلاق ، فيصير محمولاً على اختيار الطلاق ، وليس الأمر كذلك في القتل . وعليه يخرّج الفرق بين المناصب والمراتب ، والنظر إلى ذوي المروءات ، وسرّ هذا المسلك ردّ الأمر إلى كون الإنسان محمولاً على اختيار ما يطلب منه . فقد لاح أن هذا السبيل يوجب الفرق بين المطلوب والمطلوب ، وبين المطالَب والمطالَب . 9109 - والطريق مبهمٌ بعدُ [ وسنذكر ] ( 2 ) فيه الممكن من التفصيل بعد تمام البيان في التقعيد والتأصيل .
--> ( 1 ) في الأصل : وهو . ( 2 ) في الأصل : سنذكر ( بدون وأو ) .